العز بن عبد السلام
309
شجرة المعارف والأحوال وصالح الأقوال والأعمال ( ويليه الشجرة في الوعظ )
يتيقن طهارة في مائها إلا في غاية الندور ، فإنه لو انغمس في بحر لم يأمن أن يلاقي بدنه نجاسة حيوان بحري ، وذلك مختلف فيه بين العلماء ، ولا قطع في مواقع الخلاف ، ولو وقف في مطر فغسل جميع بدنه لم يأمن أن يكون على بدنه نجاسة خفية ، وفي صحة طهارته إذ ذاك خلاف ، مبني على أن الماء هل يرفع الحدث والخبث أو لا يرفع إلا أحدهما ، ولا قطع مع هذا الخلاف ، ولا ورع في اجتناب الاحتمال في هذا الباب ، إلا فيما قرب من الاحتمالات في وجود أسبابه ، وكذلك الحكم فيما يؤكل ويشرب ولا يتورع من احتمال نجاسته إلا عند ظهور أمارات الاحتمال ، وطهارة الحدث في ذلك كطهارة الخبث . المثال الثاني : التيمم والاستجمار : لو اعتبر فيها اليقين لم يصحا لجواز نجاسة التراب والأحجار نجاسة من حيوان بري أو إنسي أو طائر أو إنسان ، ولا تورع إلا عند ظهور احتمال النجاسة كما في الماء ؛ لأن الورع عند بعد الاحتمال ضرب من ( ق 101 - أ ) الوسواس / وكذلك لا يجب أن يقطع المتيمم بفقد الماء ، ولا يتحقق كثير من الأعذار المبيحة للتيمم ، ولا سيما العذر الذي اختلف فيه العلماء . المثال الثالث : الدباغ : لو اعتبر فيه اليقين لم يطهر به جلد لاختلاف العلماء في ذلك ، ولا يقين مع ظهور اختلاف ، ولو وجب الخروج عن الخلاف لوجب على المقلدين الأخذ بالتحريم فيما اختلف في تحريمه وبالوجوب فيما اختلف في وجوبه ، وهذا خلاف ما درج عليه السلف والخلف من عدم الإنكار على من قلد القائلين بنفي التحريم وبنفي الإيجاب . المثال الرابع : الحيض : لو اعتبر فيه اليقين لم يثبت ولفاتت مصالح ما يبنى عليه من الأحكام ، كالعدد وتحريم الوطء وتحريم الصلاة والصيام ، إذ من الجائز أن ينقطع دم الحيض ويخلفه دم الاستحاضة على أدوار ، ولا تورع في مثل هذا الاحتمال ولا من نظائره ؛ لإفراط بعده ، ولعله لم يقع في العالم نظيره . المثال الخامس : الأوقات : لو اعتبر فيها اليقين لفاتت فضائل أوائل الأوقات على أكثر الناس ؛ إذ لا سبيل لهم إلى العلم بذلك ، ولمثل هذا شرع الأذان . المثال السادس : الأذان : لو اعتبر فيه اليقين لما صح ؛ إذ لا يقطع بإيمان المؤذن ولا